Nostalgic Story Teller has moved from blogger to wordpress!

You should be automatically redirected in 3 seconds. If not, visit
http://hilalchouman.wordpress.com
and update your bookmarks.

Nostalgic Story Teller 2

Selected texts from the old "nostalgic story teller" blog

Friday, October 17, 2008

!لن أشتريَ سمكة

أنا بائس. خبر قديم، أعرف. لكن، لا ضَيْرَ من إعادة ثانية. لا تحاسبوني على إعادة ثانية لتصريح شخصي وحميم، وأنتم تستمعون للتصريحات ذاتها منذ ثلاثة أعوام.
لم تعد السموات تكفي للمركبات الفضائية التي اخترعتُها في خيالي صغيراً، وسيَّرْتُها فوقي. قيل لي يوماً، أنَّ مركبة اصطدمت بأخرى فوق، وأنَّ "إي تي" رفع عليَّ دعوى قضائية لتحطيم إحدى مركباتي بيته. قال أنه لم يقضِ أكثر من ربع قرن في مخيَّلة الصغار وهو يردِّد جملته الشهيرة: "هوم.. هوم"، حتى يأتي شاب أخرق مثلي بمركبته المُتَخيَّلة ليحطِّمَ ما تبقى من بيته الذي يحتاج أصلاً إلى إصلاحات. وعليه، طالب بليرة لبنانية واحدة عطلاً وضرراً.
هه، يا للهزء. هه، يا للعبث.

***

في فيلم "شون بين" الذي أشاهده على الشاشة الآن، وفي هذه اللحظة بالذات، شاب ترك وراءه كل شيء. نجح في دراسته الجامعية وعزم بعدها على الانطلاق بعيداً عن البشر. عزم على الاقتراب أكثر من الطبيعة. جسّد مضمون ما كتبه "روبرت فاوست" يوماً:
" كان هناك طريقان يفترقان نحو غابة، وكان عليَّ أن أختار. ولأنني كنتُ مسافراً وحيداً، فلقد توقفتُ طويلاً، وأطلْتُ النظر في أحد الطريقين. ثم قررتُ أن أسلك الطريق الآخر، لأنها كانت أكثر اخضراراً، ولا يبدو أنَّ آخرين قد سلكوها قبلي.
قلت: سأحتفظ الطريق الثاني التي لم أَخْترْها ليوم آخر.
لكني، ولأني أعرف كيف تأخذنا الطرقات بعيداً بعيداً، فإنني أشك في أنني سأعود يوماً لأسلك الطريق الآخر.
فقط، بعد زمن بعيد، سأتنهد عميقاً وأقول:
طريقان افْترقَا إلى الغَابَة؛ ولَقد اختْرتُ مِنْهما طريقاً لم يسْلُكْها قَبْلي إلاَّ قلّة؛ وقد حَسَم ذلك الاختيارُ الأمْرَ كله. "
***

أنا بائس. وقفْتُ في محل الحيوانات، وفكرتُ: رحل أحدهم. إخترتُ طريقاً جديدة، وأحتاج إذاً إلى حيوان أليف ليعينني على تخطي الأيام القادمة.
نظرْتُ إلى العصافير فأصمّ سمعي صراخ أصواتها. انتقلْتُ إلى القطة، فلحظتُ خبثاً في عينيها، وكادت أن تهبش جلدَ يدي بأظافرها. تراجعْتُ إلى السلحفاة، فأعطتني ظهرها، وكانت بطيئة وساكنة كجثة ميتة. مرَرْتُ بيدي على الكلب، فقام بحركات وفيّة حدّ الانبطاح، جعلَتْني أتقزز. شخصْتُ بعينيّ ناحية أسماك الأكواريوم.
لا يا ريتشارد، يا صديقي الانكليزي الأشقر. السمك لا يُدَجَّن. أتذكّر الآن الخرافة التي أقنعتني بها وكتبتُ عنه يوماً. أضحك اليوم وأؤكد لك: السمك لا يتذكَّر صاحبه. "السمك بلا ذاكرة". هكذا، حسب ما قرأت، ستصرخ إحدى شخصيات فيلم يسري نصر الله الجديد الذي أنتظره. سمكتُك لا تتذكّر إصبعك يا ريتشارد، وأنا لا أحتاج حيواناً صامتاً ليزيد من رهبة الصمت حولي. لا أحتاج نقصاً إضافياً في ذاكرتي. وعليه، أصرّح: "لن أشتريَ سمكة!"
***

أنا بائس. أستعين بالخرافة والعبث واللا معقول لأكتب نصاً. قال لي أحدهم أنّ العبثية دليل خواء. "أنت لا تملك شيئاً لتقوله!"، كاشفني. "إعترِف"، أصرَّ.
سأعترف: أنا بائس، ومللتُ الانتظار. يا حالة البؤس الجماعية التي تجتاحينا، ما عدتِ تنفعينا. قتلتِـنا حتى بتنا ننتظر حسماً ما يطيح بكِ. يا حالةً تجعلينا نفقد إنسانيتنا وتقللين من طاقات احتمالنا للآخرين. يا حبّاً بائساً ينمو بين عاشقين الآن في ظلال تزمتنا الاجتماعي. تسألـُه: "ما بك؟" يجيبها: "لا أعرف. أشعر بشيء لا أستطيع وصفه. لا. أقصد لا أشعر بأي شيء، ولا أستطيع أن أصفَ لكِ ما لا أشعر به. تفهمينني؟" يسألـُها.
تجيبه: "أفهمك." ولا تتعجب هي لسؤاله، ولا يندهش هو بدوره لإجابتها.
سأعترف: أنا بائس. مللْتُ بؤسي، وبتُّ أحتاج ما هو أكثر وطءاً من البؤس. ما عاد هذا البؤس يكفيني. وعليه، سأهمس من غير أن يسمعني أحد: "ساعدوني."